وسط الدمار الذي خلّفته الحرب في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تجلس تحرير بشير، أم لثلاثة أطفال، أمام خيمتها المتواضعة، تتأمل الركام الذي كان يوماً منزلها. لا زالت تفاصيل النزوح محفورة في ذاكرتها، فقد اضطرت للنزوح ست مرات بين بيت لاهيا، رفح وخانيونس، هرباً من الخطر بحثاً عن مأوى آمن يحفظ أطفالها من أصوات القذائف وقسوة الحرمان. تقول تحرير: “أصعب شعور أن تشوفي أولادك محتاجين وأنتي عاجزة، لا بيت، لا أمان، ولا حتى رغيف خبز.”
تجربة النزوح وما تبعها من حرمان، جعلت من فقدان مصدر الدخل أزمة مضاعفة لعائلتها، إذ لم تكن قادرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، حتى فقدت الثقة بأن هناك شيئاً يمكن أن يتغير. لكن، وسط هذا الوضع الصعب، جاءت فرصة العمل عبر مشروع “إغاثة رمضان ـ دعم الغذاء والعيد لغزة”، المنفذ بالشراكة بين هيئة المستقبل للتنمية والجمعية الطبية الفلسطينية الأمريكية (PAMA)، ليشكل نقطة تحول حقيقية في حياتها. المشروع وفّر لها عملاً ضمن تعاونية “بيت البلد”، التي تكفلت بإنتاج وجبات الإفطار للأسر المتضررة خلال شهر رمضان.
بجهدها وصبرها، استطاعت تحرير أن تؤمن دخلاً مالياً ساعدها على تلبية احتياجات أطفالها الأساسية: الطعام، المياه، وشراء ملابس جديدة لهم تلك الأشياء التي باتت حلماً صعب المنال بعد فقدان منزلها. مضيفة:” لقد تمكنت لأول مرة من شراء ملابس جديدة لأطفالي”.
تحرير لم تنل من هذه الفرصة مجرد دخل مادي، بل استعادت ثقتها في قدرتها على الصمود، وشعرت مجدداً بكرامتها كامرأة معيلة قادرة على حماية أطفالها من الجوع والبرد والخوف.
تؤكد تحرير أن مشاريع تشغيل النساء خلال الأزمات ليست مجرد مصدر رزق، بل شريان حياة حقيقي لأسر فقدت كل شيء، ومتنفس للأمهات الباحثات عن وسيلة لتوفير الأمان لأطفالهن، في زمن صعب خذل الجميع فيه الأضعف. تبتسم تحرير وتقول بثقة: “الشغل رجعلي كرامتي، قدرت أشتري لأولادي حاجاتهم بعرق جبيني، مش صدفة ولا انتظار لمساعدة.”