ميرفت فرص العمل تعيد الحياة رغم الحرب.

وسط أنقاض الحرب التي تركت شمال قطاع غزة كأنها مدينة من الرماد، وقفت ميرفت صبيح، أم لتسعة أطفال، تحاول أن تجمع ما تبقى من حياتها. تبلغ من العمر 36 عاماً، وتحمل شهادة الماجستير في التربية، لكنها اليوم تواجه معركة لا تشبه الكتب ولا قاعات المحاضرات، بل معركة من أجل البقاء.

قبل الحرب، كانت ميرفت تعيش حياة بسيطة لكنها مليئة بالطموحات. عملت كمعلمة بنظام البطالة، تنسج حلمها بأن تكون جزءاً من بناء جيلٍ يحمل الأمل بالتعليم لكن الحرب سلبتها كل شيء: منزلها، مصدر رزقها، وأمان أطفالها. في ليلة واحدة، تحولت من معلمة وطالبة علم، إلى نازحة تحمل حقيبة صغيرة وأحلاماً ثقيلة.

رحلة النزوح كانت أقسى امتحان في حياتها. انتقلت بين مناطق مختلفة بحثاً عن مأوى في رفح وخانيونس، حتى اضطرت بعد وقف إطلاق النار أن تسير مشياً على الأقدام من جنوب القطاع نحو بيتها المدمر في الشمال، رحلة محفوفة بالخوف والتعب، لكنها لم تستطع أن تستسلم، فكانت عيون أطفالها العطشى للجوع والأمان تدفعها للمضي رغم الألم.

زوجها بعيد عنها، قيد ظروف قاهرة، وباتت وحيدة في مواجهة واقع قاسٍ، حيث غاب الدخل وانعدمت مقومات الحياة، حتى شراء الحليب والماء لأطفالها صار أمنية بعيدة المنال. كانت مشاعر العجز والخوف تعصف بها كل ليلة، لكنها أخفت دموعها عن صغارها، وزرعت مكانها صبراً مريراً.

وسط هذا الظلام، أشرقت بارقة أمل حين حصلت ميرفت على فرصة عمل ضمن مشروع “إغاثة رمضان ـ دعم الغذاء والعيد لغزة”، المنفذ بالشراكة بين هيئة المستقبل للتنمية والجمعية الطبية الفلسطينية الأمريكية (PAMA). انضمت إلى تعاونية “بيت البلد” لإنتاج وجبات الإفطار للأسر المتضررة، ومنذ اليوم الأول، شعرت أن الحياة تعود تدريجياً.

لم يكن العمل مجرد دخل مالي، بل كان استعادة لكرامتها، شعور بأنها ما زالت قادرة على العطاء رغم كل ما فقدته. ساعدها الدخل في تغطية احتياجات أطفالها الأساسية: طعام، ماء، ودفء معنوي. وجدت في زميلاتها العاملات قصصاً تشبه قصتها، فصار العمل مساحة للتكاتف والأمل.

قصة ميرفت تروي درساً إنسانياً عميقاً، عن كيف يمكن لفرصة صغيرة أن تنقذ عائلة كاملة من الغرق في دوامة الفقر واليأس، وتؤكد أهمية تمكين النساء، خاصة المعيلات، في زمن الحروب. لأن النساء، رغم الألم، هن جسر الصبر والحياة في وجه الدمار، تطمح ميرفت بأن تحصل على مزيداً من الفرص العمل لاستمرار حياتهم بشكل أفضل في ظل واقع صعب.