في قلب غزة، حيث يحمل كل طفل قصة فقدان، يحمل خميس علي المصري، البالغ من العمر 12 عامًا، قصة تنبض بالألم والأمل معًا.
وُلد خميس في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. فقد والده وهو لا يزال صغيرًا، ونشأ وهو يشاهد والدته تكافح لتأمين لقمة العيش له. كانت تردد دائمًا “هو كل ما أملك”، وعيناها مملوءتان بالحب والإرهاق. كانت الحياة ثقيلة عليهما، لكن الحرب جعلتها لا تُحتمل. وعندما وصلت القذائف إلى حيّهم، فروا جنوبًا إلى دير البلح، تاركين خلفهم بيتهم وذكرياتهم وكل ما هو مألوف.
وهناك، في ظل التهجير والخوف، شهدت حياة خميس مأساة أخرى. في أحد الصباحات، استيقظ غير قادر على تحريك ساقيه. شخصه الأطباء بأنه مصاب بشلل جزئي نتيجة الضغط النفسي الشديد والصدمة. ساعده العلاج لعدة شهور على استعادة الحركة، لكن روحه بقيت مشلولة.
عندما انضم خميس إلى المساحة التعليمية الصديقة للطفل في مدرسة فالتير، ظهرت آثار ألمه في سلوكه؛ كان غاضبًا، منطويًا، ويعتدي على الأطفال الآخرين. لاحظ المعلمون أنه يعزل نفسه، يهمل مظهره، ويتجنب النظر في عيون الآخرين. لم يعاقبوه، بل رأوا في سلوكه نداء استغاثة.
أحالوه إلى الأخصائية النفسية في المشروع، إيمان أبو شواش، التي بدأت تزوره بانتظام. وبصبر وتعاطف، استمعت إلى مخاوفه وساعدته تدريجيًا على بناء الثقة. كما شارك في جلسات الدعم الجماعي والأنشطة الترفيهية التي شجعته على العمل الجماعي والتعبير عن الذات. وشاركت والدته في جلسات إرشاد أسري، تعلمت خلالها كيفية دعم ابنها عاطفيًا في البيت.
أسبوعًا بعد أسبوع، بدأ خميس جديد في الظهور. بدأ يبتسم، يضحك من جديد، ويلعب. يداه اللتان كانتا مشدودتين بالغضب، أمسكتا أقلام التلوين. لاحظ معلموه كيف بدأ يساعد زملاءه ويشعر بالفخر بعمله.
قالت والدته والدموع في عينيها: “لم يعد هو نفس الطفل، توقف عن ضرب الآخرين، يحب القدوم إلى المدرسة، وعلاماته ممتازة”.
وقال خميس بخجل: “أشعر أني تغيرت، لم أعد أغضب مثل قبل. أنا سعيد معكم”.
اليوم، يُعد خميس من أكثر الطلاب نشاطًا في صفه. يشارك في جلسات القراءة، الألعاب الجماعية، وورش العمل الفنية. قصته تذكرنا أن الشفاء يبدأ عندما يُرى الطفل، ويُستمع إليه، ويُحاط بالحب.
وبفضل جهود هيئة المستقبل للتنمية وفريقها من المعلمين والأخصائيين النفسيين، لم يجد خميس صفًا دراسيًا فحسب، بل وجد مساحة آمنة ليعيد بناء ثقته، ويستعيد فرحه، ويحلم بمستقبل أكثر إشراقًا.