هيا: صوتٌ ينهض من الصمت

في الرابعة عشرة من عمرها فقط، شهدت هيا ما لا ينبغي لأي طفل أن يتخيله. خلال النزوح القسري من شمال غزة، شهدت ما لا يُصدق – قُتل والدها وشقيقها أمام عينيها. عادت إلى والدتها مكسورة وصامتة. كانت الصدمة عميقة لدرجة أنها توقفت عن الكلام تمامًا. تحولت الأيام إلى أسابيع، ورفضت هيا الكلام أو اللعب أو التعلم. ساد الصمت عالمها. سعت والدتها، اليائسة والمكسورة القلب، إلى المساعدة أينما استطاعت. في أحد الأيام، وصلت إلى مركز هارموني للأطفال، وهو مكان معروف بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والفني التعبيري للأطفال المتضررين من الحرب. هناك التقت بمؤمن، الأخصائي النفسي في المركز، الذي استمع إلى قصتها بتعاطف عميق. اقترح عليها بلطف مقابلة هيا – ليس لإجبارها على الكلام، بل لمجرد أن يكون بجانبها. في البداية، رفضت هيا. ولكن بعد عدة زيارات وإقناع صبور، جاءت – صغيرة، هادئة، ومنعزلة. بدأت مؤمن سلسلة من جلسات العلاج الفردي، مركّزة على الأمان والاستقرار العاطفي والثقة. شيئًا فشيئًا، بدأ حضوره الهادئ يغمرها. أسبوعًا بعد أسبوع، شجعها على الرسم، والتنفس، والكتابة – أي شيء يمكن أن يساعدها على التعبير عن الألم الكامن في داخلها. في ظهيرة أحد الأيام، همست بأولى كلماتها منذ المأساة. كانت لحظة هشة – كنغمة واحدة تخترق الصمت. منذ تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتغير. بدأت هيا بالانضمام إلى الأنشطة الجماعية. رسمت، واستمعت إلى الموسيقى، وراقبت الأطفال الآخرين يضحكون ويلعبون. شيئًا فشيئًا، بدأت الجدران التي بنتها حول قلبها تنهار. لاحظت معلمتها ولاء شيئًا مميزًا – كان لدى هيا إيقاع طبيعي في كلماتها، وحس موسيقي مخفي في شعرها. شجعها ذلك، فعادت هيا إلى الكتابة. حملت كلماتها الحزن والأمل، كما لو كانت تعيد بناء نفسها سطرًا تلو الآخر. عندما قرأ حسين، الموسيقي والمعالج الموسيقي، قصائدها، ابتسم وقال: “هيا نحوّل كلماتكِ إلى أغنية”. معًا، ألّفتا لحنًا مستوحى من قصتها، وغنّت هيا اللحن. ملأ صوتها المرتجف الغرفة تأثرًا. بعد أسابيع، غنت الأغنية نفسها أمام أقرانها في المركز. ساد الصمت بين الحضور وهي تغني، ليس حزنًا، بل رهبةً. الفتاة التي عاشت في صمت، تقف الآن بفخر، صوتها صافٍ، وروحها تنبض بالحياة. لم تنتهِ رحلتها عند هذا الحد. فبتوجيه من كليوباترا، مُدرّبة الفنون في المركز، بدأت هيا الرسم. فاضت لوحاتها بالألوان والحركة، فكل ضربة فرشاة تروي جزءًا من قصتها الشفائية. اليوم، هيا واحدة من ألمع نجوم مركز هارموني للأطفال. تكتب الشعر، وتُغني أغاني القوة، وتُجسّد مشاعرها. ألهمت شجاعتها أطفالًا آخرين ليجدوا أصواتهم من جديد، وليؤمنوا بأنه مهما بلغ عمق الصمت، لا يزال الأمل ينبثق. يقول مؤمن: “أصبح الفن لغتها، أعاد إليها صوتها، ومعه حياتها”. بفضل عمل لجنة التنمية المستقبلية وشراكتها مع مؤسسة ديليا للفنون، أصبحت قصة هيا أنشودة تحول، دليلاً على أنه عندما يُمنح الأطفال التعاطف والأمان والمساحة الإبداعية، يمكن حتى للأصوات الأكثر هدوءًا أن ترتفع من جديد.